محمد بن جرير الطبري
332
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقوله : ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) ، يقول : لا مانع اليوم من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك ، إلا من رحمنا فأنقذنا منه ، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم . * * * = ف " من " في موضع رفع ، لأن معنى الكلام : لا عاصم يَعصم اليوم من أمر الله إلا الله . * * * وقد اختلف أهل العربية في موضع " من " في هذا الموضع . فقال بعض نحويي الكوفة : هو في موضع نصب ، لأن المعصوم بخلاف العاصم ، والمرحوم معصوم . قال : كأن نصبه بمنزلة قوله : ( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ) [ سورة النساء : 157 ] ، قال : ومن استجاز : ( اتِّباعُ الظَّنِّ ) ، والرفع في قوله : ( 1 ) وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ . . . إِلا الْيَعَافِيرُ وَإِلا العِيسُ ( 2 ) لم يجز له الرفع في " من " ، لأن الذي قال : " إلا اليعافير " ، جعل أنيس البرِّ ، اليعافير وما أشبهها . وكذلك قوله : ( إلا اتباع الظن ) ، يقول علمهم ظنٌّ . قال : وأنت لا يجوز لك في وجه أن تقول : " المعصوم " هو " عاصم " في حال ، ولكن لو جعلت " العاصم " في تأويل " معصوم " ، [ كأنك قلت ] : " لا معصوم اليوم من أمر الله " ، ( 3 ) لجاز رفع " من " . قال : ولا ينكر أن يخرج " المفعول " على " فاعل " ، ألا ترى قوله : ( مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ) ، [ سورة الطارق : 6 ] ، معناه ، والله
--> ( 1 ) هو جران العود . ( 2 ) سلف البيت وتخريجه فيما مضى 9 : 203 . ( 3 ) الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء ، وهو نص كلامه .